الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
13
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقدم الأمر بالتقوى ، لأنها جامع الطاعات . وعطف الأمر بإصلاح ذات البين ، لأنهم اختصموا واشتجروا في شأنها كما قال عبادة بن الصامت : « اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا » فأمرهم اللّه بالتصافح ، وختم بالأمر بالطاعة ، والمراد بها هنا الرضى بما قسم اللّه ورسوله أي الطاعة التامة كما قال تعالى ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ [ النساء : 65 ] . والإصلاح : جعل الشيء صالحا ، وهو مؤذن بأنه كان غير صالح ، فالأمر بالإصلاح دل على فساد ذات بينهم ، وهو فساد التنازع والتظالم . و ذاتَ يجوز أن تكون مؤنث ( ذو ) الذي هو بمعنى صاحب فتكون ألفها مبدلة من الواو . ووقع في كلامهم مضافا إلى الجهات وإلى الأزمان وإلى غيرهما ، يجرونه مجرى الصفة لموصوف يدل عليه السياق كقوله تعالى : وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ في سورة الكهف [ 18 ] ، على تأويل جهة ، وتقول : لقيته ذات ليلة ، ولقيته ذات صباح ، على تأويل المقدر ساعة أو وقت ، وجرت مجرى المثل في ملازمتها هذا الاستعمال ، ويجوز أن تكون ( ذات ) أصلية الألف كما يقال : أنا أعرف ذات فلان ، فالمعنى حقيقة الشيء وماهيته ، كذا فسرها الزجاج والزمخشري ، فهو كقول ابن رواحة : وذلك في ذات الإله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع فتكون كلمة مقحمة لتحقيق الحقيقة ، جعلت مقدمة ، وحقها التأخير لأنها للتأكيد مثل المعنى في قولهم : جاءني بذاته ، ومنه يقولون : ذات اليمين وذات الشمال ، قال تعالى إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . فالمعنى : أصلحوا بينكم ، ولذا ف ( ذات ) مفعول به على أن ( بين ) في الأصل ظرف فخرج عن الظرفية ، وجعل اسما متصرفا ، كما قرئ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [ الأنعام : 94 ] برفع بينكم في قراءة جماعة . فأضيفت إليه ( ذات ) فصار المعنى : أصلحوا حقيقة بينكم أي اجعلوا الأمر الذي يجمعكم صالحا غير فاسد ، ويجوز مع هذا أن ينزل فعل أَصْلِحُوا منزلة الفعل اللازم فلا يقدر له مفعول قصدا للأمر بإيجاد الصلاح لا بإصلاح شيء فاسد ، وتنصب ذات على الظرفية لإضافتها إلى ظرف المكان والتقدير : وأوجدوا الصلاح بينكم ، كما قرأنا لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [ الأنعام : 94 ] بنصب بينكم أي لقد وقع التقطيع بينكم . وأعلم أني لم أقف على استعمال ( ذات بين ) في كلام العرب فأحسب أنها من